بموازاة زيادة "حزب الله" وتيرة استهدافاته لقوّات الاحتلال في الجنوب بغرض استنزافها إلى أقصى حدّ، يعمل الجيش الإسرائيلي بدوره على التسبّب بأكبر موجة تهجير ونزوح ممكنة، وعلى إلحاق أعلى قدر من الدمار والخسائر البشريّة والمادية. فهل من أمل بإمكان أن تنجح جولة المفاوضات المباشرة الجديدة بين لبنان وإسرائيل في أميركا، بإنهاء هذه المُعادلة التدميرية والدَموية الكارثية، وبتجنيب الشعب اللبناني المزيد من المآسي؟
بداية، لا بُد من التذكير أنّه اعتبارًا من الثاني من آذار الماضي، وبعد أن تجدّدت الحرب المفتوحة بين "حزب الله" والجيش الإسرائيلي، لجأ هذا الأخير لأكثر من وسيلة لتخفيف خسائره، والحد من حجم الإصابات والأضرار اللاحقة بالمستعمرات وبقاطنيها. وهو تمكّن أوّلًا من إبعاد مقاتلي "الحزب" عن الحدود لكيلومترات عدّة، الأمر الذي كان كفيلًا بإنهاء عمليّات إطلاق الصواريخ المُوجّهة المُضادة للدروع على المُستعمرات. ثم اضطرّ الإسرائيليّون للتقدّم أكثر في العمق اللبناني، ولتدمير المزيد من البنى التحتيّة، بشكل خفّض كثيرًا وتيرة هجمات إطلاق الصواريخ القصيرة المدى التي كانت تنهمر بكثرة على قوّات الاحتلال في الجنوب وعلى المستوطنات القريبة من الحدود.
واليوم، يُحاول الإسرائيليّون إيجاد حلّ لمُعضلة ثالثة تتمثّل بهجمات جويّة يُنفّذها "حزب الله" بواسطة مُسيّرات صغيرة تتمتّع بقدرة كبيرة على التخفّي والمناورة، وهي كفيلة بإلحاق خسائر مؤذية في الأرواح، ولوّ أنّ عبواتها التفجيرية صغيرة جدًا، ولا تتيح بالتالي إحداث أضرار مادية مُهمّة. وفي هذا السياق، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق عمليّاته البريّة لتشمل قرى وبلدات جديدة، لا سيّما خارج الخط الأصفر الذي كان رسمه في بداية الحرب، في محاولة لتدمير مقرّات قيادة المُحلقّات الانقضاضية واغتيال المسؤولين عن توجيهها نحو أهدافها. وعلى خط مواز، وسّعت قوّات الاحتلال دائرة إنذاراتها لتشمل المزيد من القرى والبلدات في الجنوب، وبعض المناطق في البقاع الغربي، وكثّفت من الغارات والقصف التدميري، من أجل استعمال ورقتي الدمار والنزوح بوصفهما وسيلتي ضغط على السُلطة الرسمية في لبنان من جهة، وعلى البيئة الحاضنة لمقاتلي "حزب الله" من جهة ثانية.
وفي ظلّ احتدام المواجهات، وارتفاع منسوب الضُغوط المتبادلة، تتوجّه الأنظار إلى جولات التفاوض الجديدة التي يُفترض أن تنعقد برعاية أميركية، بشقّيها العسكري أوّلًا، ثم السياسي ثانيًا. وعلى الرغم من أنّ اجتماعات الوفد العسكري اللبناني التي تسبق اجتماعات الوفد السياسي مطلع الأسبوع المقبل، مُخصّصة للبحث في الجوانب التقنية واللوجستيّة والأمنيّة، إلا أنّ التعليمات من بيروت جاءت مُشدّدة لأعضاء الوفد العسكري بضرورة تناول مسألة الخروقات الحاصلة على نطاق واسع لوقف النار بشكل مُستعجل وحاسم، لأنّ لا مجال لعقد أي اجتماعات مُثمرة في ظلّ الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة لاتفاق وقف النار.
في المقابل، يسعى الجانب الإسرائيلي من جهته لتحصيل أكبر قدر من النقاط قبل الجولات التفاوضية المتتالية المنتظرة من اليوم وحتى الثالث من حزيران المقبل، لا سيّما لجهة احتلال أوسع منطقة جغرافية ممكنة في الجنوب اللبناني. وبالتالي، حتى في حال توقّف القتال بشكل مفاجئ في أي وقت في المستقبل القريب، بفعل اتفاق أميركي–إيراني طال انتظاره، أو بنتيجة طلب أميركي حازم لتمهيد الطريق أمام تسوية بين بيروت وتل أبيب، تكون إسرائيل مُتسلّحة بورقة احتلالها لعدد كبير من قرى وبلدات وربما مدن الجنوب، لاستعمال ذلك على طاولة المفاوضات من موقع قُوّة. والمُفارقة أنّ ورقة الضغط اللبنانية العملانية الوحيدة بيد لبنان، تتمثّل باستنزاف قوات الاحتلال، أي بالخسائر التي يُمكن أن تلحق بها من جرّاء الهجمات والعمليّات القتالية، في حين أنّ التوصّل إلى وقف ثابت للنار يُفقد لبنان هذه الورقة! لكنّ الرد الإسرائيلي العنيف والمتواصل على حرب الاستنزاف المفتوحة عليه، جعل الكلفة باهظة ولا تُحتمل من قبل الجانب اللبناني، حيث أن عدّاد الضحايا بين شهيد وجريح يتصاعد بوتيرة سريعة، ونطاق الدمار الهائل يتوسّع يوميًا، وحجم العائلات التي تهجّرت من مناطقها ونزحت من منازلها، بلغ أرقامًا قياسية ضاقت معها قدرة مراكز الإيواء على الاستيعاب.
انطلاقًا ممّا سبق، يُمكن القول إنّ الوفد اللبناني المفاوض عالق بين خيارين سيّئين، فإذا ما جعل وقف النار هدفه الأوّل، ورفض إجراء أي تفاوض مُثمر قبل إلتزام إسرائيل التام به، عزّز بشكل غير مباشر أوراق التفاوض المتعددة التي تملكها إسرائيل، من مناطق محتلة وأسرى في السجون، عبر إراحتها من حرب الاستنزاف. وفي حال غضّ الطرف عن الحرب الدائرة حاليًا، ودخل في المفاوضات من دون أي وقف فعلي للنار، سمح للإسرائيليّين بمواصلة نهجهم التدميري الآخذ بالتصاعد.
في الخلاصة، تُعدّ الآمال المُعلّقة على جولات التفاوض الجديدة المرتقبة، ضعيفة ولا تحمل الكثير من التفاؤل. والخشية أن يُصبح مصير لبنان مربوطًا بشكل تام بالحرب الكبرى الدائرة في الإقليم، بشقّيها الحامي تارة والبارد طورًا، لأنّه عندها تُصبح بيروت عاجزة حتى عن رفع لائحة بمطالبها لأنّ هناك من يفاوض عنها، ومن يُقرّر بالنيابة عنها أيضًا!






















































